محمد جواد مغنية
264
في ظلال نهج البلاغة
الإعراب : ما أحوجهم للتعجب ، و « ما » نكرة تامة بمعنى شيء ، ومحلها الرفع بالابتداء ، وأحوج فعل ماض ، وضمير الجمع مفعول ، والفاعل مستتر ، والجملة خبر ، ومثله ما أغناك ، وحسدا تمييز ، والمصدر من أن السماوات إلخ فاعل لفعل محذوف أي لو ثبت . أبو ذر : ما كان أبو ذر نبيا من الأنبياء ، ولا قائدا من قادة الحرب ، ولا من الرؤساء والأمراء ، أو المؤلفين والشعراء ، أو من أصحاب الأموال والأطيان . . فكل ما حازه في دنياه كان كوزا وعكازا . . ولكنه كان جريئا في الحق ، ومخلصا له ، يجهر به بعزم وصلابة ، ولا يسكته عنه خوف أو سيف ، ولا يساوم عليه بثمن بالغا ما بلغ . وبكلمة كان صادق الايمان وكفى . . وقد يقال : انه نموذج أعلى للإيمان ، لا لمجرد نوعه وحقيقته فحسب . ونحن لا نشك في ذلك ، ومع هذا نقول : ان الايمان لا يتجزأ ، وان من أطاع اللَّه في بعض ، وعصاه في بعض فقد أشرك الشيطان في طاعة اللَّه . . ولو أن قلبه عمر بالتقوى والايمان لما وجد الشيطان اليه سبيلا . وسر العظمة في أبي ذر يكمن في أنه ما قصد شيئا من مواقفه كلها إلا وجه اللَّه ، ولو أنه قصد سواه في موقف واحد فقط ما كان وجيها عند اللَّه والناس ، بل كان واحدا منهم كسائر الآحاد ، وبهذا يتبين معنا ان الشمول والعموم في طاعة اللَّه هو من قوام الايمان ، وان من تعدى حدا واحدا من حدود اللَّه فقد ضل ضلالا مبينا * ( « إِلَّا مَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ) * - 70 الفرقان » . أما اهتمام أبي ذر بالناحية الاقتصادية وثورته على الأغنياء والمترفين فسببها واضح ومعلوم عند الجميع ، وهو ان عثمان انحرف عن سنّة الرسول ، وخالف شريعة الاسلام ، واستأثر هو وذووه بأموال المسلمين ، فامتلكوا بها القصور والمزارع ، والرياش والخيول ، والعبيد والإماء ، ومن حولهم ملايين الجياع